غياب الحركة القضائية في تونس يثير تحذيرات من هيمنة السلطة على القضاء
حذّر سياسيون ومهتمون بالشأن القضائي في تونس من استمرار غياب الحركة القضائية رغم انطلاق السنة القضائية منتصف شهر سبتمبر/أيلول الحالي، مؤكدين أن هذا الوضع غير طبيعي ويهدد أسس العدالة، ويجعل القضاء وظيفة ما يسهل وضع اليد عليه ويجعل السلطة هي المتحكمة في القضاء وفي المسار المهني للقضاة.
الحركة القضائية: حدث سنوي غائب منذ ثلاث سنوات

قال كاتب عام جمعية القضاة في تونس القاضي أمير قوبعة لـ”العربي الجديد”، إن الحركة القضائية حدث سنوي يشمل نقل القضاة وترقيتهم، وتحصل في مطلع كل سنة قضائية، وعادة تنطلق بين شهر أغسطس/آب إلى مطلع سبتمبر من كل عام، ليستعد القضاة للعمل في أفضل الظروف.
وبيّن أن الحركة القضائية غائبة منذ ثلاث سنوات تقريباً، وعُوّضت بمذكرات العمل التي تصدرها وزارة العدل والتي أصبحت متواترة وتكاد تكون يومية، إذ إن هناك عشرات عمليات النقل والترقيات ويتم الحط من الدرجة (الرتبة)، وإعادة النقل إلى أماكن بعيدة.
وأشار إلى صدور مذكرات عمل لنقل قضاة لعشرات الكيلومترات بعيداً عن مقارّهم الأصلية بما يكشف حجم التنكيل، وهناك قضاة أصيلون في العاصمة مثلاً وجدوا أنفسهم في الكاف وسليانة شمال غربي البلاد العام الماضي، ثم أُعيد نقلهم مجدداً في العام الحالي إلى قابس وصفاقس بالجنوب التونسي وفي مناطق تبعد مئات الكيلومترات عن مناطق سكنهم.
تداعيات غياب الاستقرار على العمل القضائي
أضاف قوبعة أن هذا الأمر خلق أجواء مشحونة بين القضاة، بفعل تغييب الاستقرار ولما له من تداعيات خطرة على العمل القضائي، مؤكداً أن القضاء في تونس وككل عمل يتطلب الاستقرار.
ولفت إلى أن هناك ملفات متعلقة بحقوق المتقاضين، ويجري قطع عدة أشواط للنظر في ملف ما، وتحصل المرافعات إلى أن يصدر الحكم. لكن للأسف هذا النوع من الاستقرار لم يعد موجوداً، وأصبحت كل جلسة مختلفة عن سابقتها مع مشاركة أعضاء جدد، مبيناً أن التركيبة تتغير، مما يؤدي إلى اضطراب العمل القضائي.
وكشف قوبعة أن محاكم عدّة تعاني شغوراً ونقصاً كبيراً في القضاة، خصوصاً في تونس وسوسة والمناطق الكبرى، مبرزاً أن الشغور لم يُسدّ رغم إقرار خطط قضائية.
المجلس الأعلى المؤقت للقضاء ووزارة العدل
أوضح قوبعة أن تركيبة المجلس الأعلى المؤقت للقضاء غير مكتملة، رغم أنه من المفترض أن يتولى المجلس النظر في الحركة القضائية، ولكن تم استبعاده، مشيراً إلى أن وزارة العدل أصبحت تتولى هذه المهمة عن طريق مذكرات عمل غير قانونية.
وشرح بالقول: في السابق كان يتم إصدار مذكرة من قبل وزير العدل في العطلة القضائية لضرورة العمل القضائي، على أن يتولى لاحقاً المجلس الأعلى المؤقت للقضاء سد الشغور، غير أن العمل بالمذكرات أصبح هو الأصل وهذا مخالف للدستور وللمعاهدات الدولية، ولم يعد بالإمكان الحديث عن استقلالية للقضاء.
قراءة سياسية للسنة القضائية
بدوره، كتب حمادي الرحماني، أحد القضاة المعفيين بموجب قرار من الرئيس قيس سعيد الذي عزل 57 قاضياً في يونيو/حزيران 2022، في تدوينة على “فيسبوك” أخيراً: “العنوان الأول للعودة إلى السنة القضائية، يبدو سياسياً بزيّ قضائي، لأهمية الرهانات السياسية التي تتصل بالقضايا التي ستنظر فيها المحاكم. ولا يخرج هذا عما شهدته السنوات القضائية السابقة من حضور متزايد للقضاء في إدارة الصراع السياسي، بالتوازي مع تقييد قدرته على حماية الحقوق والحريات وإخضاع الإدارة ومعها السلطة السياسية لحكم القانون”.
المحامي سمير ديلو: الحركة القضائية أُلغيت واقعياً
من جهته، أكد المحامي سمير ديلو في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الحركة القضائية أُلغيت واقعياً، بمعنى أنه لم يعد هناك حركة قضائية في تونس، مبيناً أن مذكرات العمل عوّضت الحركة القضائية.
وأضاف أن هذا الإطار لا يضمن الممارسة الفضلى لاستقلالية القضاء، في ظل غياب المجلس الأعلى للقضاء وغياب مبدأ التناظر، وبالتالي لا يوجد استقرار للقضاة.
وأكد أن عمليات نقل القضاة لا تساهم في الاستقرار النفسي والعائلي والمهني للقضاة، ولا تُمكّنهم من العمل وإصدار الأحكام في أفضل الظروف.
محمد الكيلاني: غياب المجلس الأعلى للقضاء سهّل وضع اليد على القضاء
أما مؤسس الحزب الاشتراكي، محمد الكيلاني، فوصف الوضع في حديث لـ”العربي الجديد” بـ”غير الطبيعي، لأنه وفي كل عام كانت الحركة القضائية تجري سنوياً، ولكن منذ ثلاث سنوات تقريباً لم يُعتمد النقل في افتتاح السنة القضائية”.
وأكد أن غياب المجلس الأعلى للقضاء الذي ينظر في عمليات النقل، جعل وزارة العدل مشرفة على المسار المهني للقضاة.
وأضاف أن هذا الأمر سهّل وضع اليد على القضاء، الذي تحول إلى وظيفة، ولم يعد من الممكن الحديث عن قضاء مستقل.
جنيدي عبد الجواد: على القضاة التحرك للدفاع عن مصالحهم
بدوره، يرى المنسق العام لحزب المسار، جنيدي عبد الجواد، أن هذا الوضع غير طبيعي، إذ إنه على الرغم من شعار سعيّد أن “لا رجوع للوراء”، لكن للأسف حصلت عدة تراجعات في الوضع العام ككل وفي وضع القضاة تحديداً.
وأضاف في حديثٍ لـ”العربي الجديد”، أن على القضاة التحرك والدفاع عن مصالحهم، لأن القضاء المستقل هو الضمانة الأساسية للعدل.
بيان جمعية القضاة: انهيار ضمانات حسن سير القضاء
من جهتها، اعتبرت جمعية القضاة في تونس في بيان، في 18 الشهر الحالي، أن غياب الحركة القضائية من شأنه أن يؤدي إلى انهيار ضمانات حسن سير القضاء واستقلاله، خصوصاً مع انطلاق السنة القضائية.
وأضاف البيان أنه أمام تواصل الشغور في المناصب القضائية العليا، التي تشمل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب، والرئيس الأول لمحكمة المحاسبات، وكذلك مناصب وكيل الدولة العام لدى محكمة التعقيب والمتفقد العام ووكيل الدولة العام ومدير المصالح العدلية ورئيس المحكمة العقارية منذ أكثر من ثلاث سنوات، رغم أهمية هذه المناصب وحساسيتها، فإن كل ذلك أفضى إلى تأبيد الشغور من طرف السلطة التنفيذية وتعطيل عمل المجلس المؤقت للقضاء بهدف السيطرة على السلطة القضائية.
إقصاء الحركة القضائية واستخدام النقل الفجائي
وأكد البيان أنه تم هدم جملة المبادئ والضمانات المؤسسية لاستقلال القضاء ونزاهته وإقصاء ركن أساسي من ركائز القضاء المستقل وهي الحركة القضائية، واستخدام عمليات النقل الفجائية والمهينة في المناصب العليا بالمحاكم الكبرى، باتت دائمة وتضرّ بسير عمل المحاكم.
وأضاف البيان أنه مع مواصلة نهج عدم تنفيذ أحكام المحكمة الإدارية، القاضية بإرجاع 49 قاضياً شملتهم قرارات إعفاء القضاة في الأول من يونيو 2022 رغم مرور أكثر من أربع سنوات على صدور هذه الأحكام.
ولفت بيان جمعية القضاة إلى مواصلة انتهاج سياسة تعطيل استكمال تركيبة مجلس القضاء العدلي المؤقت وتعطيل تركيز مجلس أعلى للقضاء العدلي على معنى أحكام الفصل 119 من دستور 2022، بما فتح الباب أمام وزارة العدل لوضع اليد كلياً على السلطة القضائية، والتفرد بالإشراف على المسارات المهنية للقضاة، بغاية تطويعهم خلافاً لجميع المعايير الدولية المضمّنة بالمعاهدات والإتفاقيات المصادق عليها من طرف الدولة التونسية.
ولاحظت الجمعية في بيانها تكثّف إصدار مذكرات العمل خلال العطلة القضائية، تحديداً في مستهل شهر سبتمبر الحالي، وبعد انطلاق السنة القضائية، حيث شملت مئات القضاة، من ضمنهم وكيل الرئيس الأول لمحكمة التعقيب وعدد كبير من الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف وأغلب وكلاء الجمهورية لدى المحاكم الابتدائيّة ليفوق العدد الجملي لمذكرات العمل ألفي مذكّرة منذ انطلاق العمل بهذه الآلية.
